آداب وصفات الوسيط أو الساعي للإصلاح
• أن يستشعر أنها عبادة يقوم بها استجابة لأمر الله (وأصلحوا ذات بينكم ) ومخلصا له وطلبا لمرضاته (ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا كبيرا)ومحتسبا الأجر من الله(أن الله لا يضيع اجر المصلحين ).
• ذا خلق ودين محافظة على نفسه من الوقوع في المحرمات أو المجاهرة فيها تقيا منصفا بالأخلاق الكريمة مبتعدا عن الأخلاق السيئة لا يغتاب ولا ينم لأن الغيبة والنميمة إفساد والإفساد والإصلاح لا يجتمعان .
• روح المبادرة والحرص على نشر الخير وعدم انتظار دعوة للتوسط .وليكن قدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين علن بخصومة بين أهالي قباء قال (اذهبوا بنا نصلح بينهم ).
• أن يتحلى بالحلم وسعة البال والصبر والتأني وعدم العجلة . لان المصلح سيدخل بين أطراف متخاصمين والخصومة مظنة الظلم والاعتداء وطيش العقل وفلتان اللسان وليعلم أن مهمته مرهقة فليوطن نفسه على التحمل وسعة الصدر ولين الجانب ومقابلة الإساءة بالإحسان واحتمال ما يصدر من سفه وتطاول وترديد كلام وإطالة في المقدمات.
• أن يكون ذا علم شرعي عالم بما يحل ويحرم والشروط والأحكام خاصة في مجال الخصومة .
• أن يكون خبيرا في مجال النزاع عالما بالوقائع محيطا بالقضية وملابساتها باحثا عن مسبباتها عارفا بطرق معالجة المشكلات ووضع الحلول والتسويات العادلة المقترحة سواء كانت في مجال المشاكل الزوجية أو العقار أو الديون .
• حسن الاستماع لأن كل طرف يزعم انه على حق وأن صاحبه هو المبطل فيحتاج كل منهما إلى من يستمع إليه ويرفق به ويأخذ ويعطي معه . بل إن بعض الخصوم يكفيه أن يفرغ ما في نفسه من غيظ أو كلام فيشعر بعد ذلك بالراحة ويكون مستعدا لما يراد منه.
• التلطف مع الناس واستعمال الأسلوب الحسن والحكمة والبصيرة. والبعد عن العبارات الجارحة حتى مع العصاة (فالتوبيخ والتعيير بالذنب مذموم فالقصد من التلطف هو إصلاح العوج، وسد الخلل، وبيان الصواب و القيام بواجب الإصلاح من غير أذى.
• الحياد يجب أن ينظر إليه الطرفان بوصفه شخص محايد لا يميل مع أي احدهما حتى لو كان احدهما قريبا أو صديقا أو ذا علاقة مع المصلح وإذا كانت لك علاقة مع احدهما فيجب أن يوضح من البداية أن هذه العلاقة لا دخل لها ولا تأثير في هذا النزاع وتسعى إلى ترسيخ هذا المفهوم لان الميل يفقد المصلح فاعليته وقدرته على الإقناع والتأثير .ولقد قامت مجموعة من العلماء النفس في إحدى المرات بإجراء دراسة حول تأثير الوسيط المحايد في عملية الوساطة وكان من بين النقاط التي تعرضت لها المجموعة ذلك الأثر الكبير الذي يمكن أن يحدث إن نظر احد الأطراف إلى الوسيط بوصفه غير محايد؟ .
• أن يتحرى العدل قال تعالى (فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين ) .لأن كثيرا من الناس لا يعتمد العدل في الصلح بل يصلح صلحا جائرا ظالما فيصلح بين القادر المعتدي والخصم الضعيف المظلوم بما يرضى به القادر صاحب الجاه ويكون له فيه الحظ ويكون الإغماض و الحيف على الضعيف ويظن انه بهذا قد أصلح .
• المحافظة على أسرار المتخاصمين: فذلك من الأخلاق التي يجب على المصلح أن يأخذ بها، وألاّ يسمح لنفسه بالتفريط في شأنها.أما إذا احتاج إلى إفشاء شيء من ذلك لمن يعنيه الأمر، أو لمن يمكن الإفادة من رأيه - فذلك داخل في الإصلاح .يقول الإمام العالم الفضيل بن عياض : « المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعير» .
المهارات التي يحتاجها المصلح
• مهارات ممتازة في التواصل مع الآخرين
• القدرة على الإقناع والتأثير على الآخرين
• مهارات في التعامل مع الناس بمختلف فئاتهم ومستوياتهم.
• مهارة الاستماع والإنصات .
• مهارات في تقديم النصيحة والمشورة
• مهارة حل المشكلات والإبداع في إيجاد الحلول والتسويات المقترحة .
خطوات السعي في الإصلاح
ومراحله ومتطلبات كل مرحلة والتنبيهات المتعلقة بها :
أولا: قواعد وأساسيات عند العلم بالخصومة وقبل البدء بالسعي في الإصلاح بين الناس :
•العلم المتيقن بوقوع الخصومة :
لابد على الراغب في الإصلاح بين الخصوم أن يكون ذا علم متيقن بوقوع الخصومة .
•التصور العام للقضية :
فلا بد للمصلح إذا أراد الدخول في قضية ما- أن يكون على تصور عام لها؛ فالحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ إذ كيف يدخل في مجاهل، ومفاوز لا يدرك غورها، ولا يسبر مسالكها؟
فلا بد -إذاً- من تصور القضية، ومعرفة أطرافها، وأحوال أصحابها، وما يكتنفها من غموض، وظروف ومن ثم ينظر في إمكانية الدخول فيها وهي الخطوة التالية .
•النظر في إمكان الدخول في القضية:
فإذا تصور المصلح القضية تصورا عاما نظر في إمكان الدخول فيها، وجدوى السعي في حلها.وقد يحتاج إلى الاستشارة والاستخارة؛ فربما تكون القضية فوق طاقته، وربما يكون دخوله فيها كعدمه، بل ربما لحقه ضرر دون أدنى فائدة. ومن هنا كان التحري، والتروي، وحسن النظر متحتماً قبل الدخول في القضية.
•ألاّ تدخل في قضية بشرط النجاح:
بل عليك -أيها المصلح- بذل الوسع، واستنفاد الطاقة، ثم بعد ذلك وطّن نفسك على أن محاولاتك ربما لا تفلح؛ فلا يكبر عليك ذلك، وأعلم بأنك مأجور مثاب، وليس من شرط الإصلاح إدراك النجاح، وليكنْ شعارك (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).
•الدعاء وسؤال الله التوفيق:
فمهما بلغ الإنسان من الكياسة والفطنة، والسياسة، وحسن التصرف - فإنه لا يستغني عن توفيق الله ولطفه، وإعانته؛ فليلجأ المصلح إلى ربه وليسأله التوفيق، والتسديد, واللطف، فإنه -عز وجل- يجيب من دعاه، ويعين من استعان به (وقال ربكم ادعوني استجب لكم) .
•اختيار الوقت المناسب للصلح وعدم العجلة:
يجب اختيار الوقت المناسب للصلح بين المتخاصمين حتى يؤتي الصلح ثماره ويكون أوقع في النفوس وأحيانا يفضل أن لا تبدأ بالإصلاح حتى تبرد القضية ويخف حدة النزاع وينطفئ نار الغضب ثم بعد ذلك تصلح بينهما لكن إذا أبيت إلا التدخل فعليك بتهدئة النفوس وجبر الخواطر ونزع فتيل الغضب أولا. فإذا قمت بذلك فدع للزمن دوره, حتى تهدأ النفوس, ويختمر الرأي في الأذهان, ويبدأ الأطراف في المراجعة.
•التدرج في عرض الصلح:
أن يكون الحديث والسعي على مراحل متدرجة وجرعات ، تبدأ خفيفة ، ثم تكثف بعد ذلك، فيستحسن التمهيد للموضوع ، وجس النبض ، ثم المعاودة بعد مدة من الزمن، ثم يكثيف الجهد بعد ذلك ؛ ويتأكد التدرج في القضايا المستعصية و الخصوم المتعنتين •
•الحذر من اليأس:
فربما حاولت المحاولة الأولى، وبذلت وسعك في معالجة المشكلة فأخفقت؛ فإن كنت قصير النَّفَس، ضيق العطن أيست من العلاج، وتركت المحاولة إلى غير رجعة. أما إذا أخذت بسياسة النفس الطويل، وتدرّجت في مراحل العلاج مرحلة مرحلة أوشكت أن تصل إلى مبتغاك؛ فاحذر إذاً من اليأس، وإن أعيتك حيلة فالجأ إلى أخرى، وإذا انسدّ عليك طريق - فاسلك غيرها.
•سلوك مسلك النجوى والمسارة:
إن من الخير في باب الإصلاح بين الناس أن يسلك به المصلح مسلك النجوى والمسارة فإن من الناس من يصر على أن تكون المبادرة من خصمه وآخر يتأذى من نشر مشاكله أمام الناس ومن المعلوم أنه كلما ضاق نطاق الخلاف كان من السهل القضاء عليه فلذلك تفضل النجوى في الإصلاح قال تعالى (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ).
•جواز الكذب لأجل الإصلاح:
أذن الشارع للمصلح بنوع من الكذب في العبارات وفي الأمور التي توفق وتقرب وتخفف من شدة العداوة وتحببهم إلى بعض قال صلى الله عليه وسلم(ليس بالكاذب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا) .ومن أمثلة ذلك أن يحاول المصلح تبرير أعمال كل من المتخاصمين وأقوالهما بما يحقق التقارب، ويزيل أسباب الشقاق والخلاف، وأحيانا ينفي بعض أقوالهما السيئة فيما بينهما، وينسب إلى كل منهما من الأقوال الحسنة في حق صاحبه مما لم يقله مثل أن يقول: فلان يسلم عليك ويحبك، وما يقول فيك إلا خيرا ونحو ذلك.
•المحافظة على أسرار المتخاصمين:
فذلك من الأخلاق التي يجب على المصلح أن يأخذ بها، وألاّ يسمح لنفسه بالتفريط في شأنها.أما إذا احتاج إلى إفشاء شيء من ذلك لمن يعنيه الأمر، أو لمن يمكن الإفادة من رأيه - فذلك داخل في الإصلاح.
•أهمية مراعاة الخواطر وتهدئة النفوس :
ويندرج تحت ذلك أمور كثيرة، وربما كان بعضها صغيراً، لكنه قد يغير مسار القضية تماماً، فيدخل تحتَ ذلك تجنبُ بعضِ الكلمات الجافية المثيرة، واستعمالُ العبارات اللائقة الجميلة التي تبهج النفس، وتشرح الصدر.
ويدخل في ذلك اللمسةُ الحانيةُ، والبسمةُ الصادقة، ويدخل فيه استثارة النخوة، وتحريك العاطفة، بل قد يدخل فيه العتب والغضب إذا كان ذلك في محله، وممن يليق منه ذلك. ويدخل في ذلك مراعاة العادات، وفهم الطبائع والنفسيات. فهذه الأمور، وما جرى مجراها من جملة ما يحتاجه المصلح .
•في كل الخطوات عليك دائما بالوعظ والنصيحة وتذكير الخصوم بالعاقبة:
فيحسن بالمصلح أن يُذكِّر الأطراف المتخاصمة بالعاقبة؛ فيذكرهم بعاقبة الخصومة, وما تجلبه من الشقاق, وتوارث العداوات, واشتغال القلوب, وغفلتها عن مصالحها. ويذكرهم كذلك بالعاقبة الحميدة للصلح في الدنيا والآخرة, ويسوق لهم الآثار الواردة في ذلك كقوله -تعالى-: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وكقوله: (وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ) وكقوله: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ). ويسوق لهم قصصاً لأناس عفوا, فحصل لهم من العز, والخير ما حصل. وهكذا… فذلك يبعث النفوس إلى الإقصار عن التمادي في الخصام. ولا باس بالإطالة في النصح والوعظ والإكثار من ذكر الآيات
والأحاديث .
•عليك بحسن الاستماع:
لأن كلَّ طرف من الأطراف يزعم أنه على حق، وأن صاحبه على باطل؛ فيحتاج كلُّ واحد منهما إلى مَنْ يَستمع إليه، ويرفق به، ويأخذ ويعطي معه. بل إن بعض الخصوم يكفيه أن يفرغ ما في نفسه من غيظ، أو كلام؛ فيشعر بعد ذلك بالراحة، ويكون مستعداً لما يُراد منه.
•ضرورة معرفة الأسباب الحقيقية للخصام :
يجب أن تضع في الحسبان دائما أن السبيل إلى الإصلاح بين المتخاصمين وإنهائه تماما هو معرفة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى نشوب الخصام فان استطعت أن تعرفها وتعالجها بشكل يرضي الطرفين كان ما بقي سهل وتضمن بذلك أن يدوم الصلح بينهما أما إذا قمت فقط بوعظهم ونصحهم والضغط عليهم بجاهك فقد يستجيبوا لك ويجاملوك ويتصالحون صلحا صوريا ثم ما يلبث أن يرجع الخصام مثل ما كان وأشد ومما يجدر التنبيه إليه أن أطراف النزاع قد يجدون صعوبة في تقديم معلومات أو إيضاح الأسباب الحقيقية التي ليست في صالحهم .فعليك اكتشافها بنفسك واختبار المعلومات المقدمة لك .
•التنبه إلى المعوقات والصعوبات والمعوقات والاستعداد لها :
لا يكن في ظنك أن سبيل الإصلاح بين الناس ممهد ومتيسر لكل مصلح وأنه سيستجاب لك في كل ما تطلبه وتنصح به بل عليك أن تعود نفسك وتوطنها على مواجهة الصعوبات والعقبات والمعوقات الكثيرة والتي منها مثالا لا على سبيل الحصر : عدم تجاوب الخصمين أو أحدهما في إبداء الأسباب الحقيقة في النزاع ، أو عدم الحضور لمحاولة تقريب وجهات النظر بينهما • أو تدخل الأقارب أو المعارف بين المتخاصمين بحسن أو بسوء نية ؛ أو محاولة الخداع والكذب والخلط في الدعاوي من أحد الخصوم •
•الوضوح ولزوم الصدق والصراحة:
والمقصود بالصراحة ههنا ألاّ يساير أحداً من الخصمين على باطل، وألاّ يَعِدَ أحداً منهما وعداً وهو غير قادر على إنفاذه، إلى غير ذلك مما يستلزم الوضوح والصدق. وليس من شرط ذلك أن يشتد المصلح، أو أن يواجه الخصوم بما يكرهون بحجة أنه صريح، بل يحرص على أن تكون صراحته مغلفة بالأدب واللياقة، وأن تكون كلماته خفيفة ؛كما لا ينافي الصراحةَ والصدق تنميةُ الخير, واستعمال المعاريض, والعبارات الواسعة التي تصلح وتقرب.
•الرفع من قيمة المتخاصمين:
وذلك بإنزالهم منازلهم، ومناداتهم بأحب أسمائهم إليهم، والحذر من انتقاصهم، أو الحطّ من أقدارهم.
•الحذر من الوقيعة بأحد الخصمين عند الآخر:
حتى لو كان ذلك مجاملة ومسايرة لخصمه فهذا منافي لما يجب على المصلح أن يتصف به وهو ضرب من الغيبة المحرمة , ولأنهما ربما اصطلحا، فأخبر كل واحد منهما بما قلته في صاحبه؛ فتحصل على الضرر من غير ما فائدة، وقديماً قيل:
كم صاحبٍ عاديتَه في صاحبٍ
فتصالحا وبقيتَ في الأعداء
•ضرورة الحياد والاستقلالية :
في تعاملك مع الأطراف والتنبه إلى محاولات أطراف الخصومة جرك كي تنحاز إلى جانبه وأخذ موقفه والدفاع عنه ؛ حافظ دائما على استقلالك وابق محايدا وحافظ على مسافة واحدة معهم حتى لا تفقد قدرتك على التأثير والإقناع.
•التنبه إلى اختلاف أحوال الناس في تعاملهم عند النزاع والخصومة:
فمن المتعنت الصلب ومنهم اللين المتساهل ومنهم الصادق ومنهم الكاذب ومنهم من يتأثر بالمواعظ والأحاديث وثواب الآخرة ومنهم من تؤثر فيه المصالح الدنيوية أو المال أو الإكرام والتقدير وهكذا .
•التنبه كذلك إلى اختلاف أنواع الخصومات .
وأخيرا قد تحتاج إلى تطبيق كل خطوة من خطوات السعي في الإصلاح والى تجريب كل وسيلة تساعد وقد لا تحتاج إلا إلى نصيحة وكلمة طيبة فقط كل ذلك يعتمد على توفيق الله ثم تقبل الخصوم واستعدادهم للصلح والى طبيعة المشكلة .
مواقع النشر (المفضلة)