الدرس السابع / أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها
الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله الذي قدّر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم .
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا انك على كل شي قدير .
وبعد

خلا بيت أم المساكين وقتاً غير قصير ثم جاءت أم سلمة فشغلته ، واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وزوجها عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن مخزوم .
ولماذا أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة إلى يثرب بعد بيعة العقبة الكبرى أجمع أبو سلمة أمره على الهجرة بأهله ، فكانت قصة خروجهما مأساة
ما تزال على بعد العهد بها وتطاول الآماد .
حدثت أم سلمة رضي الله عنها قالت : لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل ببعير له وحملني وحمل معي ابني سلمه ثم خرج يقود بعيره فلما رأه رجال من بني مغيرة قاموا إليه فقالوا هذا نفسك غابتنا عليها أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد ونزعوا خطام البعير من يده وأخذوني فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد
وأهووا ولدنا سلمة وقالوا لرهط زوجي والله لا نترك ابننا عندها إذا نزعتموها من صاحبنا فتجاذبوا ابني سلمة حتى خلعوا يده وانطلق به رهط أبيه وحبسني بنو المغيرة عندهم ، ومضى زوجي أبو سلمة حتى لحق بالمدينة فُرّق بيني وبين زوجي وابني فكنت أخرج كل غداة وأجلس بالأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي سنة أو قريب منها حتى مرّ بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة ألا تخرجون هذه المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها وابنها وما زال بهم حتى قالوا ألحقي بزوجك إن شئت وردّ عليّ بنو عبد الأسد عند ذلك ابني وذهبت إلى المدينة .
لقد انتكأ الجرح الذي أصاب أبا سلمة يوم أحد فظل به حتى مات ، وحضره النبي صلى الله عليه وسلم وهو على فراش موته ، وبقي إلى جانبه يدعوا له بخير حتى مات فكبر عليه صلى الله عليه وسلم تسع تكبيرات ، فقيل له صلى الله عليه وسلم أسهوت أم نسيت ؟ فقاللفم أسه ولم أنس ولو كبرت على أبي سلمة ألفاً كان أهلا لذاك.
وأسند ابن سعد عنها أن أبا سلمة دعا لها قبل موته ( اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلاً خيراً مني ، لا يحزنها ولا يؤذيها )
وبعد انتهاء عدة أم سلمة تقدم إليه كبار الصحابة منهم أبو بكر والفاروق عمر ثم بعث إليها النبي صلى الله عليه وسلم يخطبها ؟ وأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنها غيرى مسنّة ذات عيال فقال : أما أنك مسنة فأنا أكبر منك وأما الغيرة فيذهبها الله عنك وأما العيال فإلى الله ورسوله ، وتم الزواج في شهره المبارك شوال من السنة الرابعة على الصحيح ويقول أهل العلم بالنسب : إن سلمةهو الذي عقد للنبي صلى الله عليه وسلم على أمّه .
لقد كان الوحي ينزل على الرسول في بيت عائشة فتباهي بذلك ضرائرها حتى جاءت أم سلمة فأصبح ينزل عندها أيضاً .
لقد كان صلى الله عليه وسلم يكثر من مشورة أم سلمة في الأمور .
توفيت رضي الله عنها بعدما جاءها نعي الحسين بن علي رضي الله عنهما وصلى عليها أبو هريرة رضي الله عنه وشيع المسلمون إلى البقيع أم سلمة وهي آخر من مات من أمهات المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها .

============================================

الدرس الثامن / أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها
الحمد لله رب العالمين الحمد لله حمدا حمدا والشكر له شكراً شكرا والصلاة والسلام على نبينا محمد صلاة صلاة وسلاما سلاما .
اللهم علمنا ما ينفعنا وأنفعنا بما علمتنا وزدنا علماً إنك على كل شيء قدير


ما مضى على زواج النبي صلى الله عليه وسلم من أم سلمة غير عام أو بعض عام حتى دخلت بيته صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بن رئاب حفيدة عبد المطلب بن هاشم أمها أميمة بنت عبد المطلب عنة النبي صلى الله عليه وسلم .
ولا نعرف من بين أمهات المؤمنين من شغل زواجها المجتمع المدني مثل زينب بنت جحش رضي الله عنها ذلك لما سبق هذا الزواج من ظروف خاصة ولبيان هذا لا بد من استطراد يسير (1) نرجع إلى ما قبل المبعث حين رجع حكيم بن حزام بن خويلد الأسدى من تجارة له ومعه رقيق فيهم غلام في الثامنة يدعى زيداً،وما كان زيد عبدا بل هو زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب الكلبي خرجت به أمه( سعدى بنت ثعلبة ) لتزيرهأهلها بني معن بن طيئ فأصابته خيل من بني القين ابن جسر فباعوه بسوق من أسواق العرب وكان حكيم بن حزام هو الذي اشتراه .
وجاءت خديجة رضي الله عنها - وهي يومئذ زوج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم - تزور ابن أخيها حكيم بن حزام بن خويلد فعزم عليها أت تختار من شاءت من الغلمان فأخذت زيدا ، ورآه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فاستو هبه منها فوهبته له راضية .
وكان أبوه حارثة بن شرا حيل قد جزع عليه أشد الجزع وخرج يلتمسه فعندما علم أنه في مكة انطلق مع أخيه كعب حتى وصلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا له يا بن عبد المطلب ، يا بن سيد قومه ، أنتم جيران الله ، تفكون العاني ، وتطعمون الجائع ، وقد جئتك في ابننا ، فتحسن إلينا في فدائه ) قال صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك ؟ قالا ما هو ؟ أجاب أدعوه وأُخيره ، فإن اختاركما فذاك ، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحداً ، قالا قد زدت على النصفة .
ودعي زيد فعرف أباه وعمه وخيره النبي صلى الله عليه وسلم فاختار النبي صلى الله عليه وسلم .
فلما بلغ زيد سن الزواج اختار له النبي صلى الله عليه وسلم بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب ( زينب بنت جحش ) وكرهت زينب وكره أخوها عبد الله حتى نزل قوله تعالى { وما كان لمؤمن ولا مؤمنه إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا }
وتزوجت زينب زيدا ولكن الحياة لم تصفُ لهما فما نسيت زينب قط أنها الشريفة لم يجر عليها رق .

وقاسى زيد من صدها وترفعها ما جعله يشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة وكان صلى الله عليه وسلم يقول( أمسك عليك زوجك )
قال تعالى{ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق لله وتخفي في نفسك ما الله مبديه }
قال القاضي عياض ذكر أهل التفسير عن علي بن حسين أن الله تعالى كان أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه. وهذا الذي أخفاه صلى الله عليه وسلم في نفسه ، ليس كما يقول البعض .
ثم طلقها زيد ونزل قوله تعالى { فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا}.
فتزوجها صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم وعن ثابت عن أنس رضي الله عنه
قال ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب ، فإنه ذبح شاة )
وبعد زواجه صلى الله عليه وسلم قال أنس انطلق صلى الله عليه وسلم حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه غألفى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب وفي رواية لمسلم نزلت آية الحجاب { لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه } إلى قوله تعالى { والله لا يستحي من الحق }.
قالت السيدة عائشة رضي الله عنها الله عنها: قال صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم ( أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً) فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم نمد أيدينا في الجدار نتطاول .
وفي الصحيحين أنهن أخذن قصبة يذرعونها فكانت سودة أطولهن يداً .
ولكن ماتت زينب بنت جحش فعلمنا إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد بالصدقة ، فقد كانت زينب بنت جحش تحب الصدقة ؟
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــ
(1) يعتبر الاستطراد عيباً لكني أرى أن التاريخ والأدب يسمحون به.



الدرس التاسع / أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها الله عنها

الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله الذي قدّر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم .
ا اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا انك على كل شي قدير .


ما كاد يقيم صلى الله عليه وسلم شهراً وبعض شهر بعد غزوة بني لحيان وغزوة ذي قرد حتى بلغه أن بني المصطلق وهم حي من خزاعة يجمعون الجموع لقتاله صلى الله عليه وسلم بقيادة زعيمهم الحارث بن أبي ضرار بن حبيب المصطلق الخزاعي وخرج إليهم صلى الله عليه وسلم ومعه من نساءه عائشة رضي الله عنها حتى لقيهم على ماء لهم يقال له المريسيع فكان قتال انتهى بهزيمة بني المصطلق ، وسيقت نساؤهم سبايا وفيهن برّة بنت الحارث سيد القوم والتي سماها النبي صلى الله عليه وسلم جويرية وكانت شابة جميلة .
ودخلت هذه الشابة الجميلة فقالت:
يا رسول الله أنا بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخفَ عليك فوقعت في سهم لثابت بن قيس فكاتبته على نفسي فجئتك استعين على أمري ورق قلبه صلى الله عليه وسلم الكريم للعربية الخزاعية بنت سيد القوم .
وتكلم صلى الله عليه وسلم فقال : فهل لك في خير من ذلك ؟
سألت بلهفة وحيرة فقالت : ما هو يا رسول الله ؟
قال : أقضي عنك كتابتك وأتزوجك.
فتألق وجهها الجميل بفرحة الغبطة وقالت وهي لا تكاد تصدق إنها قد نجت من الضياع والهوان : نعم يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم قد فعلت .
وتوفيت بالمدينة بعد منتصف القرن الأول الهجري سنة ست وخمسين على الأرجح وصلى عليها مروان ابن الحكم أمير المدينة ، فرضي الله عن جويرية أم المؤمنين التي لم تكن امرأة أعظم على قومها بركة منها لان الرسول صلى الله عليه وسلم عندما تزوجها اعتق أهل مئة بيت من بيوت بني المصطلق .


والله أعلى وأعلم